الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
328
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الدائمان ، ومن الناس من يطلب ما فيه عاجل النفع والكمال الزائف ، فالأول قد نجح فيما طلبه فهو مفلح ، والثاني يحصّل نفعا عارضا زائلا وكمالا موقتا ينقلب انحطاطا فذلك لم ينجح فيما طلبه فهو خائب ، وقد عبر عن ذلك هنا بالفلاح والخيبة كما عبر عنه في مواضع أخر بالربح والخسارة . والمقصود هنا الفلاح في الآخرة والخيبة فيها . وفي هذه الآيات محسّن الطباق غير مرّة فقد ذكرت أشياء متقابلة متضادة مثل الشمس والقمر لاختلاف وقت ظهورهما ، ومثل النهار والليل ، والتجلية والغشي ، والسماء والأرض ، والبناء والطحو ، والفجور والتقوى ، والفلاح والخيبة ، والتزكية والتدسية . [ 11 - 15 ] [ سورة الشمس ( 91 ) : الآيات 11 إلى 15 ] كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها ( 11 ) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها ( 12 ) فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها ( 13 ) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها ( 14 ) وَلا يَخافُ عُقْباها ( 15 ) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها 11 إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها 12 فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها 13 فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها إن كانت جملة قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها [ الشمس : 9 ] إلخ معترضة كانت هذه جوابا للقسم باعتبار ما فرع عليها بقوله : فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ أي حقا لقد كان ذلك لذلك ، ولام الجواب محذوف تخفيفا لاستطالة القسم ، وقد مثلوا لحذف اللام بهذه الآية وهو نظير قوله تعالى : وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ إلى قوله : قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ [ البروج : 1 - 4 ] . والمقصود : التعريض بتهديد المشركين الذين كذّبوا الرسول طغيانا هم يعلمونه من أنفسهم كما كذبت ثمود رسولهم طغيانا ، وذلك هو المحتاج إلى التأكيد بالقسم لأن المشركين لم يهتدوا إلى أن ما حل بثمود من الاستئصال كان لأجل تكذيبهم رسول اللّه إليهم ، فنبههم اللّه بهذا ليتدبروا أو لتنزيل علم من علم ذلك منهم منزلة الإنكار لعدم جري أمرهم على موجب العلم ، فكأنه قيل : أقسم ليصيبكم عذاب كما أصاب ثمود ، ولقد أصاب المشركين عذاب السيف بأيدي الذين عادوهم وآذوهم وأخرجوهم ، وذلك أقسى عليهم وأنكى .